ستيفان زفايغ.. بورتريهات على جدران التاريخ

(خاص – ورق)

صدرت عن مسعى للنشر والتوزيع ومسكيلياني للنشر والتوزيع ثلاث ترجمات جديدة للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ. وبعيدا عن رواياته القصيرة الساحرة، وقف زفايغ عند محطات تنويرية مهمة، سواءً في مذكراته أو رسائله أو قراءاته في تجارب وشخصيات ووجوه.

كان زفايغ يعي جيّدًا أنّ الحروب تقود العالم إلى الهاوية، فوجد في عددٍ من الشخصيّات التاريخيّة أصواتًا تقنّع بها ليُدين الحربَ والتسلّطَ ويدعو إلى السلام وتحرير الإنسان من كلّ أشكال الديكتاتوريّة

عنف الديكتاتورية

دشّن مارتن لوثر عهدًا أبرزُ شعاراته: «الحرّيّة للإنسان المسيحيّ»، لكنّه سرعان ما أُغلق بمجيء جان كالْفِن، الدكتاتور الدّينيّ الذي أوْصد بابَ تأويل الإنجيل بتأويله، وعدَّ كلَّ خروجٍ عنه إجرامًا في حقّ الله والدولة، تمامًا كما يفعل «حُماة الربّ» و«الناطقون باسمه» دومًا، حتّى فاق إرهابُه ما فعلته محاكم التفتيش البابويّة. 

لكنّ الفكر الحرّ المؤمن بأنّ الإنسان جوهرُه الحرّيّةُ ينبثق من حين إلى آخر في وجه الدكتاتور ليكشف عورات الفكر الأحاديّ ويعرّي الشرَّ الضارب بعروقه فيه وينادي بسيادة الإنسان على ضميره. كذا شأن سيباستيان كاستيليو، رجل أدرك خطورة كالْفِن وخاض بالعقل ملحمةَ مقاومةِ الأحقاد البشريّة والدفاعِ عن الحقّ في الحرّيّة بعيدًا عن وصاية الكهنة ودَجَلِهم «المقدّس».

كان زفايغ يعي جيّدًا أنّ الحروب تقود العالم إلى الهاوية، فوجد في عددٍ من الشخصيّات التاريخيّة أصواتًا تقنّع بها ليُدين الحربَ والتسلّطَ ويدعو إلى السلام وتحرير الإنسان من كلّ أشكال الديكتاتوريّة، لإيمانٍ عميقٍ في نفسه بأنّ الحرّيّة وحدَها أبديّةٌ لأنّها الأصل وأنّ كلّ عنفٍ إلى زوالٍ لأنّه طارئٌ على الإنسانيّة هجينٌ. 

 من يقطف ثمار التغيير

لتعصّب‭ ‬وحشٌ‭ ‬يدمّر‭ ‬كلّ‭ ‬وفاقٍ،‭ ‬نظامٌ‭ ‬فكريٌّ‭ ‬منغلقٌ‭ ‬يهدّد‭ ‬الإنسانيّةَ‭ ‬جمعاء‭. ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬مبادئ‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬إيرازموس‮»‬،‭ ‬المعلّم‭ ‬المصلح‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يكتفي‭ ‬المفكّر‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬السياسيّة‭ ‬العنيفة‭ ‬بالانسحاب‭ ‬وراء‭ ‬مكتبه‭ ‬والتزامِ‭ ‬الحياد‭ ‬البارد‭ ‬كي‭ ‬يكون‭ ‬صديق‭ ‬الجميع،‭ ‬أم‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يصدع‭ ‬بموقفه‭  ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سيره‭ ‬إلى‭ ‬المحرقة؟‭ ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬التغيير‭ ‬فعلًا‭ ‬معتدلًا‭ ‬ناعمًا‭ ‬تخطّط‭ ‬له‭ ‬جمهوريّةُ‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬سلامٍ‭ ‬وطمأنينة،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬راديكاليّ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬فيه‭ ‬صوت‭ ‬المطرقة؟‭ ‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬جوهر‭ ‬صراعٍ‭ ‬فكريٍّ‭ ‬طاحنٍ‭ ‬بين‭ ‬مفكّرين‭ ‬عظيمين،‭ ‬‮«‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والعاطفة،‭ ‬بين‭ ‬عقيدة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬والتعصّب‭ ‬الدينيّ،‭ ‬بين‭ ‬العالميّ‭ ‬والمحلّيّ،‭ ‬بين‭ ‬التعدّديّة‭ ‬والأحاديّة‮»‬،‭ ‬اهتزّت‭ ‬له‭ ‬أوروبا،‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬القوّة‭ ‬انتصرت‭ [‬فيه‭] ‬ولا‭ ‬العدل‭ ‬الشريد‮»‬‭ ‬ وكان‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬قنّاصًا‭ ‬مثل‭ ‬مكيافللي‭ ‬‮«‬يقطف‭ ‬ثمار‭ ‬التغيير‮»‬‭ ‬ويصوغ‭ ‬من‭ ‬مثاليّة‭ ‬إيرازموس‭ ‬وواقعيّة‭ ‬لوثر‭ ‬تصوّرَه‭ ‬البراغماتيّ‭ ‬للعالم‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬يستدعي‭ ‬زفايغ‭ ‬مرحلة‭ ‬حرجة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬أوروبا،‭ ‬ليقرأ‭ ‬بها‭ ‬الحاضر‭ ‬ويصوغ‭ ‬حُلُمَ‭ ‬الإنسانيّة،‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬للعقل‭ ‬ضدّ‭ ‬التعصّب‭ ‬ونزق‭ ‬الأهواء‭.‬

سيغموند فرويد: العلاج بالروح

ليس‭ ‬هذا‭ ‬الكتابُ‭ ‬ترجمةً‭ ‬كلاسيكيّةً‭ ‬لفرويد‭ ‬ولا‭ ‬تقديمًا‭ ‬تقليديًّا‭ ‬للتّحليل‭ ‬النّفسيّ‭ .‬إنّه‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ .‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬يروي‭ ‬لنا‭ ‬زفايغ‭ ‬قصّة‭ ‬نشأة‭ ‬التّحليل‭ ‬النّفسيّ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬البنية‭ ‬النّفسيّة‭ ‬والاجتماعيّة‭ ‬لمرحلةٍ‭ ‬محوريّة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬البشريّ‭ ‬الحديث‭ .‬ ويبدو‭ ‬زفايغ‭ ‬دقيقًا‭ ‬في‭ ‬أوصافه‭ ‬مُلمًّا‭ ‬بكلّ‭ ‬تفاصيل‭ ‬التّحوّل‭ ‬التّاريخيّ‭ ‬من‭ ‬العلاج‭ ‬بالدّواء‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬العلاج‭ ‬بالرّوح‮»‬‭.‬ وأبلغ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬ثقافة‭ ‬الكاتب‭ ‬الموسوعيّة‭ ‬الّتي‭ ‬تجعله‭ ‬يجول‭ ‬بك‭ ‬بين‭ ‬الفلاسفة‭ ‬كأفلاطون‭ ‬وأرسطو‭ ‬وروسّو،‭ ‬والأطبّاء‭ ‬كشاركو‭ ‬وبروير،‭ ‬والفنّانين‭ ‬كليوناردو‭ ‬دا‭ ‬فينشي‭ ‬وماكارت،‭ ‬والشّخصيّات‭ ‬التّاريخيّة‭ ‬كسبارتاكوس‭ ‬وأرخميدس،‭ ‬والرّوائيّين‭ ‬كبلزاك،‭ ‬والمسرحيّين‭ ‬كشكسبير،‭ ‬والشّخصيّات‭ ‬الأسطوريّة‭ ‬كباندور،‭ ‬والشّخصيّات‭ ‬السّياسيّة‭ ‬كبوغاتشيف‭.‬

عجيب‭ ‬اجتماع‭ ‬كلّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬كتاب‭.‬ وفعلًا،‭ ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬زفايغ‭ ‬في‭ ‬تأليف‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬إبستمولوجيا‭ ‬التّحليل‭ ‬النّفسيّ‭ ‬الفرويديّ‭ ‬بقلم‭ ‬أديبٍ‭ ‬ومجازات‭ ‬شاعرٍ‭ ‬ومشرطِ‭ ‬جرّاحٍ‭ ‬وثقافةِ‭ ‬مؤرّخٍ‭ ‬ومجهرِ‭ ‬طبيبٍ‭ ‬وعقلِ‭ ‬مُفكّر‭.‬

Shopping Cart
Scroll to Top