موت الحقيقة لـ ميتشيكو كاكوتاني

بعيدًا عمّا يوجّه من نقد لّاذع إلى رئيس الولايات المتّحدة دونالد ترامب، الأمر الذي ربّما يُشكّل اليوم أكثر المواضيع خلافًا بين أيّ شخصين في أيّ بقعة من بقاع العالم، يتضمّن هذا الكتاب نقدًا اجتماعيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا وفلسفيًّا دقيقًا وفطنًا. إنّه دفاع عاقل عن العقل والتعقّل بوجه الانفعال والجهالة؛ ومحاولة لإنقاذ قيم التنوير والعقلانيّة التي تغرق في محيط التعصّب المحموم والسّعار العقائديّ؛ بحث -يائس ربّما!- عن طيف الحقيقة في ليل الأراجيف.

تبسط المؤلّفة الأميركيّة ميتشيكو كاكوتاني الأسس الفلسفيّة والفكريّة التي تقوم عليها ثقافة عصرنا الراهن، وتتناولها بالتحليل والنقد. عملها -بالمجمل- يُشكّل نقدًا للنقد – نقدًا لنقود النسبويّة، التي تشكّل أساس فكر ما بعد الحداثة.

أحد محاور الكتاب المهمّة نقده اللّاذع الموجّه إلى الإنترنت عمومًا ومواقع التواصل خصوصًا. هذه المواقع التي أتاحت للذهنيّة الشعبويّة نشر كلمتها بشأن الاختصاص الدقيق، وبثّ مفرداتها وازدرائها بالجديّة: معارك طباعيّة، قذع وقدح وتجريح، تحزّبات وصفقات، تملّقات رخيصة، وسيلفيّات مرائية: انسحاب من الفعل النبيل إلى القول الأجوف. لقد سرّعت هذه المنصّات من وتيرة الخراب والتشظّي، ودفعت إلى العزلة واستبدال الافتراضيّ بالواقعيّ ولطّخت يدها بدماء الحقيقة.

في عالم أنانيّ وبارد وتجاريّ وعدوانيّ، يغدو هذا النوع من النقد الثقافيّ شكلًا أساسيًّا من أشكال التمرّد في عصرنا الراهن: إنذار… تنبيه إلى التدارك قبل وقوع الكارثة.

موت الحقيقة: ملاحظات حول البهتان في عصر ترامب

تأليف: ميتشيكو كاكوتاني

ترجمة: سيف سهيل

مقدّمة

نظامان من أعتى الأنظمة وحشيّة في تاريخ البشريّة، اعتليا سدّة السلطة في القرن الواحد والعشرين، بُني كلاهما على أساس انتهاك الحقيقة وسلبها، قائمين على المعرفة القائلة بأنّ الكلبيّة والسأم والخوف أشياء يمكنها جعل الناس سريعيّ التأثّر بالأكاذيب والوعود الزائفة لقادة عازمين على امتلاك سلطة غير مشروطة؛ كما كتبت حنّه آرنت في كتابها الصادر عام 1951، «أصول الشموليّة»: «إنّ الشخصية المثاليّة للحكم الشموليّ ليس النازيّ المؤمن بالنازيّة أو الشيوعيّ المؤمن بالشيوعيّة، إنّما فرد انعدم لديه الفرق بين الواقع والخيال (أيّ: واقع التجربة)، والفرق بين الصواب والخطأ (أيّ: معايير الفكر)».

ما يُفزع القارئ المعاصر أنّ كلمات آرنت تغدو -وبشكل متزايد- أقلّ شبهًا ببرقيّة خبرية من قرن آخر، منها بمرآة مُرعبة تعكس المشهد السياسيّ والاجتماعيّ الذي نسكنه اليوم، عالم تُضخّ فيه الأراجيف والأكاذيب بأحجام صناعيّة ضخمة من مصانع الجيوش الإلكترونيّة الروسيّة، وتُنفث، في سيل لا ينتهي، من فم رئيس الولايات المتّحدة وتغريداته على تويتر، وتُبثّ على الهواء إلى جميع أنحاء العالم عبر حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، بسرعة الضوء. إنّ القوميّة والعشائريّة والنزوح والمخاوف من التغير الاجتماعي وكراهية الأجانب في حالة ازدياد مجددًا لأنّ الناس، ببقائهم محتجزين داخل صوامعهم الحزبيّة وفقاعاتهم الفلتريّة، يفقدون الحسّ بالواقع المشترك والقدرة على التواصل خارج حدود الأطر الاجتماعية والطائفيّة.

ليس الغرض من وراء هذا إقامة تماثل صريح بين أحوال اليوم والأهوال العارمة في فترة الحرب العالمية الثانية، بل إطالة النظر في بعض الأوضاع والمواقف -ما أطلقت عليه مارغريت آتوود «رايات الخطر» في روايتيّ أورويل، «1984» و«مزرعة الحيوان»- التي تجعل الناس عرضةً للتلاعب الديماغوجيّ والسياسيّ، والأمم فرائسَ سهلةً للساعين إلى أن يكونوا أوتوقراطيين. الغرض منه استقصاء كيف يعمل تجاهل الوقائع، وإحلال العاطفة محلّ العقل، وصدأ اللغة، على الحطّ من قيمة الحقيقة، وماذا يعني هذا بالنسبة لأميركا والعالم.

«يدرك المؤرخون كم قابلٌ للتلف هو النسيج الكليّ للوقائع، الذي نقضي داخله حياتنا اليوميّة»، كتبت آرنت تقول في مقالة تعود إلى العام 1971، «الكذب في السياسة»؛ «إنّه معرّض دائمًا لخطر الخرم على يد فرد يكذب، أو التمزّق إربًا بفعل الكذب المنظّم الذي تمارسه جماعات أو أمم أو طبقات، أو لخطر الإنكار والتشويه، وذلك غالبًا عن طريق إخفائه إخفاءً دقيقًا بكومة من الأباطيل أو تركه يسقط وحسب في دائرة النسيان. الوقائع تقتضي شهادة بيّنة كي تُذكر وشهودًا عدولًا كي تُقرّ، لتجد ملاذًا آمنًا في حلبة الشؤون الإنسانية».

لقد انضمّ مصطلح «تفسّخ الحقيقة» (الذي تستخدمه مؤسسة راند لوصف «حالة التراجع في دور الوقائع والتحليل» في الحياة الأميركية العامّة) إلى معجم مصطلحات ما بعد-الحقيقة الذي يحوي عبارات مألوفة جدًّا في الوقت الحاضر مثل «أخبار زائفة» و«حقائق بديلة». لا أخبار زائفة فقط: بل وأيضا علم زائف (يختلقه ناكرو التغيرات المناخيّة ومعارضو التلقيح)، تاريخ زائف (يروّج له تنقيحيّو الهولوكوست والسُبرَمسيون البيض)، أميركيّون زائفون على موقع فيسبوك (تُنشئ حساباتهم الجيوش الإلكترونية الروسيّة)، ومتابعون زائفون و«إعجابات» زائفة على مواقع التواصل الاجتماعيّ (تولّدها روبوتات برمجيّة).

ترامب، الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأميركية، يكذب بغزارة مفرطة وبسرعة عالية إلى درجة أنّ الواشنطن بوست أحصت 2140 ادّعاءً كاذبا ومضلّلا خلال عامه الأوّل في الرئاسة، أيّ بمعدّل 5.9 في اليوم. إنّ أكاذيبه، حيال كلّ شيء، بدءًا من مسألة التحقيقات بشأن التدخل الروسيّ في الانتخابات، إلى موضوع شعبيّته وإنجازاته، مرورًا بمدى متابعته التلفاز – أقول إنّ هذه الأكاذيب ليست سوى الضوء الأحمر الوامض الأسطع المؤشّر على التحذيرات العديدة من اعتدائه على المعايير والمؤسسات الديمقراطيّة. إنّه يتطاول بشكل روتيني على الصحافة ومنظومة القضاء ووكالات الاستخبارات والنظام الانتخابيّ وموظفيّ الخدمة العامّة الذين يُسيّرون حكومتنا كما السّاعة.

كما أنّ هذا الهجوم على الحقيقة ليس مقتصرًا على الولايات المتّحدة. ففي جميع أنحاء العالم، تُغلِّب موجات شعبويّة وأصوليّة حالات الاحتكام إلى الخوف والغضب على المُحاجّة المنطقيّة، وتُفتّت المؤسّسات الديمقراطيّة، وتستبدل حكمة العامّة بالتخصّص. ساهمت ادّعاءات باطلة حول علاقة بريطانيا الماليّة بالاتّحاد الأوروبيّ (مزيّنة بها حافلة من حافلات حملة فوت ليف) على ترجيح كفّة التصويت لصالح بركزت، وكثّفت روسيا من عمليات بذرهاdezinformatsiya  (التضليل المعلوماتيّ) أثناء فترة التحضيرات للانتخابات في فرنسا وألمانيا وهولندا وبلدان أخرى، بجهود دعائيّة مُدبّرة لإضعاف الثقة بالأنظمة الديمقراطيّة وزعزعتها.

البابا فرنسيس ذكّرنا: «لا يوجد شيء يُسمى معلومة مُضلّلة غير ضارّة؛ الوثوق بالبهتان يمكن أنْ يعود بتبعات وبيلة».  لاحظ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أنّ «واحدًا من أكبر التحدّيات أمامنا التي تتهدّد ديمقراطيتنا مقدار عدم اتفاقنا على حدّ مشترك أدنى من الحقائق»؛ الناس اليوم «يدورون في أفلاك أكوان معلوماتيّة مختلفة تمام الاختلاف». وألقى السيناتور الجمهوريّ جَف فلَيك خطابا، نبّه فيه -محذّرًا- إلى أنّ «2017 كان عامًا شهد الحقيقة -الموضوعيّة، والتجريبية، القائمة على البرهان- محطّمةً ومُهانةً أكثر مما شهدَ أيّ عهد آخر من تاريخ بلادنا، وعلى يد الشخصيّة الأعلى سلطةً في حكومتنا».

كيف حدث هذا؟ ما هي جذور البهتان في عهد ترامب؟ كيف أمسَت الحقيقة والعقل نوعين مُهدّدين بالانقراض، وما المخاطر التي ينطوي عليها موتهما الوشيك بالنسبة لخطابنا العامّ ومستقبل سياستنا وحكمنا؟ هذا هو موضوع الكتاب.

من السهل جدًّا رؤية ترامب -المرشّح الذي استهلّ مسيرته السياسيّة ممتطيًا الخطيئة الأصليّة للبيرثريّة- مثل بجعة سوداء اعتلت سدّة الرئاسة بسبب تضافر مثاليّ لعدد من العوامل: جمهور محبط من الناخبين ما زال يشعر بالاستياء من آثار الأزمة المالية عام 2008؛ تدخّل روسي في الانتخابات وطوفان جارف من القصص الاخباريّة الزائفة الموالية لترامب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ غَريمٌ عالي الاستقطاب، جاء ليمثّل طبقة واشنطن الراقية التي ينتقدها الشعبويّون بقسوة؛ ومبلغ تقديريّ بقيمة خمسة بلايين دولار لتغطية حملة مفتوحة من وسائل إعلام عامّة مهووسة بالمشاهدات والنقرات التي يُثيرها النجم السابق لتلفزيون الواقع.

لو ابتدع روائيّ أو روائيّة شخصيّةً شرّيرةً مثل ترامب -أي تجسيدًا ملحميًّا خارقًا، فائق الحدّ، للنرجسيّة والكذب والجهل والانحياز والفظاظة والديماغوجيّة والبواعث الاستبداديّة (ناهيك عن شخص يستهلك يوميًا ما يعادل دزينةً من علب الدايت كوكا)- لأتّهم ذلك الروائيّ أو تلك الروائيّة بالتكلّف المغالي واللّا معقولية. في الواقع، كثيرًا ما يظهر رئيس الولايات المتّحدة أشبه بشخصيّة أقلّ إقناعًا من مزيج من الشخصيات يستمدّه فنّان كارتون مهووس من أوبو روي وترايمف ذ إنسولت آف كومك دوغ وإحدى الشخصيات التي أهملها موليير.

لكنّ الجوانب الأكثر شبهًا بتهريج المهرّجين من شخصية ترامب لا ينبغي لها أنْ تُعمينا عن العواقب بالغة الخطورة المترتبة على اعتدائه على الحقيقة وحكم القانون، والثغرات التي كشف عن وجودها في مؤسساتنا واتصالاتنا الرقمية. لا يمكن أنْ يحظى مرشح -كان مفضوحًا خلال الحملة الانتخابيّة بسبب تاريخه في الكذب والممارسات التجاريّة الخادعة- بتأييد شعبيّ كبير، لو لم تكنْ شرائح الشعب بشكل من الأشكال متبرّمة من قول الحقيقة، ولولا وجود عدد أكبر من المشاكل المتأصّلة في عمل النظام بأكمله، التي تتعلّق بوسائل حصول الناس على معلوماتهم، وبالعوامل التي أدّت بهم إلى التفكير أكثر فأكثر بذهنيّة تحزبيّة.

مع ترامب، يغدو الشخصيّ شأنًا سياسيًّا، وعلى أصعدة عديدة فهو أقلّ شبهًا بحكاية غرائبيّة ترد في كتاب مصوَّر منه شبهًا بعالم بيزارو مثاليّ تمامًا يضمّ عددًا كبيرًا من المواقف المتشابكة الأشمل التي تنخر أسس الحقيقة اليوم، بدءًا من عملية دمج الأخبار والسياسة بوسائل الترفيه، إلى الاستقطاب السامّ الذي استبدّ بالسياسة الأميركيّة، وانتهاءً بتنامي الاستخفاف الشعبويّ بالتخصّص.

ترمز هذه المواقف، بدورها، إلى القوى الديناميكية التي كانت تجيش سنوات تحت سطح الحياة اليومية، خالقةً نظامًا بيئيًا متكاملًا سقطت فيه فيريتاس -إلهة الحقيقة-  هالكةً (كما مثّلها غويا في لوحة مشهورة معنونة بـ«لقد ماتت الحقيقة»).

على مدار عقود، ظلّت الموضوعيّة تفقد حظوتها، بل وحتى الفكرة القائلة أنّ باستطاعة الناس الصبوّ إلى التثبّت من أمثل حقيقة متيسرة. إنّ ملحوظة دانيال باتريك موينهان الشهيرة لا تنطبق على زمان مثلما تنطبق على زماننا الحاليّ:«يحقّ لكل فرد أنْ يمتلك رأيًا خاصًا به، لا أنْ يمتلك حقائقَ خاصّةً به»، لقد استفحل الاستقطاب استفحالًا بالغًا إلى درجة أنّ المصوّتين في ولايات أميركا الحمراء وولايات أميركا الزرقاء واجهوا وقتًا عصيبًا في الاتفاق حتّى على الحقائق نفسها. يجري الحال على هذا المنوال منذ أنْ ضاعفت المنظومة الشمسيّة للمواقع الإخباريّة اليمينيّة -مركزها وكالتا فوكس نيوز وبريتبارت نيوز- من قوّة جذبها حول قاعدة الحزب الجمهوريّ، ولقد سرّعت مواقعُ التواصل الاجتماعيّ من وتيرةَ هذا الحال تسارعًا حادًا، إذ تصل المستخدمين بأعضاء ذوي آراء وأذواق مشابهة، وتزوّدهم بمنشورات -معدّة وفق رغباتهم- تعزّز من تصوّراتهم المُسبقة، متيحةً لهم فرصة العيش داخل صوامع بلا نوافذ، تزداد ضيقًا.

لهذا السبب، بقيت النسبيّة سائدة منذ اندلاع الحروب الثقافيّة في ستينيات القرن العشرين. وقد اعتنقها اليسار الجديد آنذاك -متلهفًا إلى فضح تحيّزات التفكير الغربيّ، البرجوازيّ، الذكوريّ- وتبنّاها أكاديميون يؤسسون إنجيل ما بعد الحداثة، الحركة التي حاجّت في عدم وجود حقائق كونيّة، وإنّما فقط حقائق شخصيّة أصغر، تصوّرات تتشكل بفعل القوى الثقافيّة والاجتماعيّة في يوم الفرد. منذ ذلك الحين، والمحاجّات النسبويّة تتعرّض للاختطاف على أيدي اليمين الشعبويّ، بمن فيه الخلقيّون وناكري مفهوم التغيّر المناخيّ، الذين يُصرّون على ضرورة تعليم آرائهم إلى جانب النظريات القائمة على «أساس علميّ».

وبالتأكيد، تزامنت النسبيّة تزامنًا تامًّا مع النرجسيّة والذاتيّة الآخذتين بالازدياد منذ مقالة توم وولف، «عقد الأنا»، وصولًا إلى إجلال الذات في عصر السيلفي.لا عجب بالتالي أن تستشري في ثقافتنا ظاهرة راشومون (وجهة النظر القائلة بأنّ كلّ شيء يعتمد على وجهة نظرك)، من الروايات الرائجة مثل «إلهات القدر والانتقام»، إلى المسلسل التلفزيوني «العلاقة»، وهي أعمال تستند على فكرة الحقائق الواقعيّة المتضاربة أو الرواة غير الموثوقين.

لقد واظبت على القراءة والكتابة حول العديد من هذه القضايا ما يقارب الأربعة العقود، عدت خلالها إلى صعود التفكيكية والمعارك التي خيضت حول الريادة الأدبيّة، على أراضي الأحرام الجامعيّة؛ إلى المناقشات التي دارت حول إعادة سرد التاريخ قصصيًا في الأفلام السينمائيّة مثل «جي أف كي» لأولفر ستون و«زيرو دارك ثيرتي» لكاثرين بِغَلو؛ وإلى الجهود التي بذلتها إدارتا كلنتون وبوش -على حدّ سواء- من أجل تفادي الشفافيّة وتعريف الواقع كلّ حسب هواه؛ إلى حرب دونالد ترامب على اللغة وجهوده لتطبيع اللّا طبيعيّ؛ وإلى الآثار التي تركتها التكنولوجية في كيفية معالجتنا المعلومات وتبادلها. في هذه الصفحات، آمل أنْ أفيد من قراءاتي للكتب والأحداث الجاريّة في الربط بين بعض النقاط المتعلّقة بالاعتداء على الحقيقة، وموضعتها داخل سياق علاقتها بديناميكيات اجتماعيّة وسياسيّة أعمّ بقيت تتخلل ثقافتنا لسنوات. آمل أيضًا أنْ أسلط الضوء على بعض الكتب والكتابات التنبؤيّة من الماضي، التي ألقت ضوءًا على مأزقنا الحاليّ.

الحقيقة حجر أساس في ديمقراطيتنا. وكما علّقت القائم بأعمال النائب العام السابقة، سالي ييتس، فإنّ الحقيقة هي إحدى الأمور التي تفصلنا عن الأوتوقراطيّة:«باستطاعتنا مناقشة السياسات والقضايا، وهو ما ينبغي لنا فعله. لكن يجب أن تكون تلك المناقشات مبنيةً على حقائق مشتركة لا على احتكامات ساذجة إلى العاطفة والخوف عبر خطابات استقطابيّة طنّانة وافتراءات».

«ليس ثمّة وجود لشيء يسمى حقيقة موضوعيّة وحسب، بل إنّ التقصير في قول الحقيقة أمر له آثار. ليس بيدنا أنْ نتحكّم في مسألة قيام مسؤولينا الحكوميين بالكذب علينا من عدمه. لكن بيدنا أنْ نضعهم موضع المساءلة عن أكاذيبهم تلك، أو أن نغضّ النظر ونُطبّع اللّا مبالاة إزاء الحقيقة، سواء بسبب حالة من الإرهاق أم بغية حماية غاياتنا السياسيّة».

1

انحطاط العقل وسقوطه

«هذه تفّاحة.

قد يحاول بعض النّاس إخبارك بأنّها موزة.

قد يصرخون «موزة، موزة، موزة» مرارًا وتكرارًا.

ربّما يكتبون موزة بحروف كبيرة.

ربّما تبدأ بالاعتقاد بأنّ هذه موزة.

لكنّها ليست كذلك.

هذه تفّاحة.»

-إعلان تجاري على سي أن أن، يظهر صورة فوتوغرافيّة لتفاحة.

في خطابه عام 1838، خطاب لايسيوم، أعرب إبراهام لينكولن الشاب عن تخوّفه من أنْ تصبح حرية الأمّة -مع انحسار ذكريات الثورة وتلاشيها في الماضي- مُهدّدة بنوع من الاستهانة بالمؤسّسات الحكومية، التي تصون الحرّيات المدنيّة والدينيّة الموروثة عن المؤسّسين. للحفاظ على حكم القانون ومنع صعود طاغيّة مُحتمَل قد «يظهر من بيننا»، فإنّ وجود عقل رصين «بارد، مُحتسِب، لا عاطفيّ»- هو شرط أساسيّ. ولكي نبقى «أحرارًا حتّى النهاية»، يعظ لينكولن جمهوره، يجب على الشعب الأميركيّ أنْ يعتنق العقل، إلى جانب «الأخلاق الحنيفة، ومنها على وجه الخصوص، تبجيل الدستور والقوانين».

كما كان لينكولن يدرك حقّ الادراك، إنّ مؤسّسي أميركا أقاموا الجمهوريةَ الفتيّةَ على ركائز التنوير المتمثّلة في العقل والحريّة والتقدّم والتسامح الدينيّ. وكان العمران الدستوريّ الذي أبدعوه مرتكزًا على نظام عقلانيّ من الضوابط والموازين لغرض تلافي احتمالية أنْ يظهر يومًا ما، وبعبارات ألكساندر هاملتون، «رجل عديم المبادئ في حياته الشخصيّة» و«وقح في طباعه» ربّما «يمتطي صهوة الهوس بالشعبيّة» و«التملّق، ويتوافق مع كلّ سفاسف المتعصّبين في يومنا هذا»، بغية إحراج دولتنا و«بلبلة الأوضاع علّه بذلك ‘يعتلي العاصفة ويُسيّر دفّة الزوبعة’».

كان النظام أبعد ما يكون عن التكامل، لكنّه دام لأكثر من قرنين بفضل مرونته وقدرته على استيعاب التغييرات الضروريّة. قادة مثل لينكولن، مارتن لوثر كنغ الابن، وباراك أوباما نظروا إلى أميركا بوصفها عملًا قيد الإنجاز – بلدًا في طور استكمال نفسه. ولقد حاولوا تعجيل ذلك العمل، واضعين نصب أعينهم أنّ «التقدّم ليس تلقائيًّا ولا حتميًا»، بحسب عبارات دكتور كنغ، بل يتطلّب تفانيًا وكفاحًا. إنّ ما قد أُنجزَ منذ الحرب الأهلية وحركة الحقوق المدنيّة مثّل تذكيرًا بكلّ العمل الذي لمّا يُنجز بعد، لكنّه كان بمثابة برهان أيضًا على إيمان الرئيس أوباما بأنّنا نحن الأميركيّين «قادرون باستمرار على إعادة خلق أنفسنا لنتناسب مع أحلامنا الأكبر»، وعلى إيمان التنوير بما يسمّيه جورج واشنطن «الاختبار» العظيم «المودَع بين أيادي الشعب الأميركيّ».

إلى جانب هذه الرؤية المتفائلة لأميركا كأمّة بمقدورها أنْ تصبح «مدينةً» تتألّق «في أعلى التلّ»، كانت هنالك ثيمة، مضادّة لا عقلانيّة، ومظلمة، في تاريخ الولايات المتّحدة، أعادت فرض نفسها الآن بدرجة كبيرة فاقت التوقعات، إلى حدّ لا يُزعزع فيه العقل وحسب، بل وكأنّه أُلقي به من النافذة، مع الحقائق، والمناظرة المبنية على المعرفة، وصناعة القرار السياسيّ بالتشاور. العلم يتعرّض لهجمة، وكذلك التخصّص بشتّى فروعه، سواء أكان تخصّصًا في مجال السياسة الخارجيّة أم الأمن الوطنيّ أم العلوم الاقتصاديّة أم حقل التعليم.

دعا فيليب روث هذا السرد المضاد بـ«البيرسيرك الأميركيّ الأصليّ» (the indigenous America berserk)، ووصفه المؤرّخ ريتشارد هوفستادر على نحو معروف بـ«الأسلوب البارانويدي»، وجهة نظر تُحرّكها «المغالاة المحمومة والارتياب والخيال التآمري»، وتركّز على تهديدات مُتخيّلة موجّهة إلى «أمّة أو ثقافة أو نمط حياة». الباعث الذي دفع هوفستادر إلى كتابة مقالته عام 1964 هو حملة باري غولدواتر وحركة اليمين الملتفّة حولها، تمامًا مثلما ظهر كتابه الصادر عام 1963، «معاداة المذهب العقليّ في الحياة الأميركيّة»، ردًّا على حملات السيناتور جوزيف مكارثي، سيئة الصيت، لمطاردة المُنشقّين، وعلى خلفية الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة الأوسع نطاقًا إبّان خمسينيات القرن العشرين.

باءت محاولة غولدواتر للظفر بالانتخابات الرئاسيّة بالفشل، وأخمدت المكارثيّة شعلتها، بعد أن واتت الشجاعة محاميًا يعمل لصالح الجيش الأميركي -يُدعى جوزيف ويلتش- للوقوف في وجه مكارثي. «أما لديك أيّ حسّ بالحشمة سيدي، بعد طول انتظار؟»، سأله ويلتش؛ «ألم يتبقَ لديك أيّ حسّ بالحشمة؟».

مكارثي المسموم، الذي كان يرشق الاتّهامات بالخيانة في جميع أنحاء واشنطن («إنّ وزارة الخارجيّة تأوي وكرًا للشيوعيين ومؤيدي الشيوعيين»، هكذا قال محذّرًا الرئيسَ ترومان عام 1950)، وبّخَهُ مجلس الشيوخ عام 1954، ومع قيام السوفيت بإطلاق سبوتِنك عام 1957، بدأت النزعة المناهضة للعقلانيّة بالتراجع، مفسحةً المجال أمام سباق الفضاء وجهد جاد ومتضافر لتحسين برامج الدولة العلميّة.

لاحظ هوفستادر أنّ الأسلوب البرانويدي يميل للحدوث بشكل «موجات عرضيّة» (episodic waves). حزب لا-أدري المناهض للمهاجرين، والمناهض للكاثولكية، بلغ أوجّ شعبيّته عام 1855، بوجود ثلاثة وأربعين عضوًا من أعضاء الكونغرس يجاهرون بولائهم له. سرعان ما بدأ نفوذه يتبدّد في السنة التالية، بعد انشقاق الحزب إلى مجاميع قطاعيّة، رغم أنّ روح اللّا تسامح التي جسّدها ستقبع، مثل فايروس -في النظام السياسيّ- بانتظار أنْ تعاود الظهور مجدّدًا.

في حالة اليمين الحديث، أكّد هوفستادر أن الإحساس بالغبن ونزع الملكيّة غالبا ما ساهما في تعبئته وشحنه. كتب يقول: «لقد انتزعَت منهم معظم أميركا»، وربّما يشعرون «أنّهم لا يمتلكون حقّ الخوض في المساومة السياسيّة واتّخاذ القرارات».

بالنسبة إلى حال أميركا عصر الألفيّة (وكذلك جزء كبير من أوروبا الغربيّة)، كانت مشاعر الغبن هذه متفاقمةً بفعل تغيّر الديموغرافيات وتبدّل الأعراف الاجتماعيّة، اللّذين ولّدا لدى بعض أفراد الطبقة العاملة البيضاء إحساسًا متعاظمًا بالتهميش؛ متفاقمةً بفعل تنامي التفاوت في مستوى الدخل، الذي سرّعت وتيرتَه الأزمةُ الاقتصاديّة عام 2008؛ وبفعل قوى -من قبيل العولمة والتكنولوجية- دأبت على نهب وظائف الصناعات التحويليّة، وحقن الحياة اليوميّة بجرع إضافية من الشكّ والخوف.

كان ترامب وقادة اليمين القوميّين، المعادين للمهاجرين، في أوروبا، من أمثال مارين لوبان في فرنسا، غيرت ولدرز في هولندا، وماتيو سالفيني في إيطاليا، يؤجّجون مشاعر الخوف والغضب والحرمان من الامتيازات الدستوريّة، مُقدّمين أكباش فداء بدلًا من تقديمهم حلولًا؛ في الوقت الذي كان فيه الليبراليون والمحافظون، القلقون حيال ظهور البلدويّة (nativism) وسياسات الانحياز، يحذّرون من تعرّض المؤسسات الديمقراطيّة لتهديد متنام. قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، المكتوبة عام 1919، في غمرة خراب الحرب العالمية الأولى، لاقت إحياءً هائلًا في عام 2016، مُستشهدًا بها، في المقالات الإخباريّة، خلال النصف الأوّل من ذلك العام أكثر مما قد تمّ الاستشهاد بها على مدار ثلاثة عقود، وذلك مع ذِكر المعلّقين -من كافّة الميول السياسيّة-  سطورها الشهيرة:«تنهار الأشياء؛ الوسط لا يصمد؛/ فوضى محضة سُدلت على العالم بغتة».

إنّ ظاهرة التهجّم على الحقيقة والعقل، التي بلغت درجة السّعار في أميركا إبّان السنة الأولى من تولي ترامب لمنصب الرئاسة، بقيت بيوضها تنمو في حواضن اليمين المتطرّف. مبغضو كلينتون، الذين ظلّوا يلفقون اتّهامات غاية في الغرابة حول قضية موت فِنس فوستر في تسعينيات القرن الماضي، وبارانويديّو حزب الشاي، الذين زعموا أنّ أنصار حماية البيئة يرومون التحكّم بدرجة حرارة منزلك ولون السيارات التي قد تشتريها، تحالفوا مع مدونيّ موقع برَيتبارت الإخباريّ وجيوش اليمين البديل الإلكترونيّة، أثناء الحملة الانتخابية عام 2016. ومع فوز ترامب بتسميته مرشحًا عن الحزب الجمهوريّ وظفره بالرئاسة، أصبحت آراء معظم مناصريه الراديكاليين المتطرّفة -تعصبهم الدينيّ والعنصريّ، ومقتهم للحكومة، واعتناقهم تفكيرًا تآمريًا ومعلومات مضلّلة- كلّ هذهِ الآراء أصبحت اتجاهًا سائدًا.

استنادًا إلى استطلاع أجرته صحيفة الواشنطن بوست عام 2017، فإنّ نسبة 47 بالمائة من الجمهوريين يرون واهمين أنّ ترامب فاز بالتصويت الشعبيّ، ويرى 68 بالمائة أنّ ملايين المهاجرين غير الشرعييّن صوّتوا عام 2016، ولا يمانع ما يزيد عن نصف الجمهوريين من تأجيل انتخابات سنة 2020 الرئاسيّة إلى أن تُحلّ المشاكل المماثلة المتعلّقة بالتصويت غير الشرعيّ. أظهرت دراسة أخرى، أجراها مجموعة من أساتذة العلوم السياسيّة في جامعة شيكاغو، أنّ نسبة 25 بالمائة من الأميركيين يرون بأنّ الانهيار الاقتصاديّ المفاجئ عام 2008 أدير أوركستراليًا إدارةً خفيّة على يد جماعة سريّة صغيرة من أصحاب المصارف، وأنّ نسبة 19 بالمائة يرون بأنّ حكومة الولايات المتّحدة كان لها ضلع في هجمات 11/9 الإرهابية، بل يرى 11 بالمائة أنّ إحدى النظريات هي نظرية اختلقها الباحثون -أنّ المصابيح الفلورية المدمجة كانت جزءًا من مكيدة دبّرتها الحكومة لجعل الناس أكثر إذعانًا وأسهل انقيادًا.

ترامب، الذي استهلّ مسيرته السياسيّة عبر ترويج البيرثريّة بكلّ صفاقة، والذي تكلّم باستحسان عن واضع نظريات المؤامرة ومقدّم البرامج الإذاعيّة المُستفِز أليكس جونز، ترأس إدارة أصبحت -خلال سنتها الأولى- التجسيد الصرف للمبادئ المعادية للتنوير؛ برفضها قيم العقلانيّة والتسامح والمذهب التجريبيّ، في سياساتها وفي طريقة عملها على السواء -لقد أصبحت انعكاسًا لأسلوب القائد العام في صناعة القرار، ذلك الأسلوب المتقلّب والمتهوّر الذي لا يستند على معرفة بل مبنيّ على غريزة ونزوة وتصوّرات مُسبقة (وهميّة في الغالب) حول كيفية سير هذا العالم.

لم يبذل ترامب أيّ جهد لتصحيح جهله بالسياسة المحليّة أو الخارجيّة عندما دخل البيت الأبيض. لقد قال كبير مستشاريه في السياسات الاستراتيجيّة السابق، ستيفن بانن، بأنّ ترامب لا «يقرأ إلّا لتعزيز موقفه»؛ ولقد بقي الرئيس مُصرًّا على إنكار أهمية المعلومات الاستخباراتيّة أو تحجيمها أو التقليل من شأنها فيما يتعلق بالتدخّل الروسيّ إبّان انتخابات 2016. ولأنّ الإتيان على ذكر معلومات كهذه من شأنه إثارة حنقه، وبإمكانه إرباك عملية تسليمه الملخصات الاستخباراتيّة اليوميّة، يدرج المسؤولون أحيانًا هذه المادّة، كما أخبروا الواشنطن بوست، بصيغ مكتوبة فقط في التقرير اليوميّ المرفوع إلى الرئيس، الذي من النادر جدّا أن يقرأه، كما تذكر التقارير.

عوضًا عن ذلك، يبدو أنّ الرئيس يُفضّل استقاء معلوماته من فوكس نيوز -وخصوصًا، البرنامج الصباحيّ المتملّق فوكس آند فريندز- ومن مصادر على شاكلة موقع برَيتبارت نيوز وصحيفة الناشونال إنكوايرَر. وكما تقول التقارير، فهو يقضي ما يعادل ثماني ساعات يوميًا في مشاهدة التلفاز – عادة لا يسعها إلّا تذكير قرّاء عديدين بشخصية تشانسي غاردنر، البستانيّ المدمن على مشاهدة التلفاز، الذي يصبح مشهورًا ونجمًا سياسيًا صاعدًا في رواية جيرزي كوزنسكي، «أن تكون هناك»، الصادرة سنة 1970. كذلك أوردت قناة فايس نيوز تقاريرًا حول تسلّم ترامب، مرّتين في اليوم، إضبارةً مليئةً بقصّاصات مداهنة تضمّ «تغريدات إعجاب، نسخًا مطبوعة من مقابلات تلفزيونية متودّدة، أخبارًا محشوّةً بالثناء، وأحيانًا صورًا فقط لترامب من التلفاز يظهر فيها بمظهر القوّة».

تفاصيل سخيفة مثل تلك مضنية لا مضحكة فحسب، لأنّ هذا الأمر ليس مجرّد حدث من أحداث توايلايت زون يدور حول حالم يقطن بيتًا أبيض ضخمًا في العاصمة واشنطن. نزوع ترامب إلى الفوضى لم يحتوِهِ أولئك المحيطون به، بل على العكس أصاب الإدارة بكاملها بالعدوى. وهو يُشدّد: «لا شيء مهمّ عداي» حينما يتعلّق الأمر برسم السياسة، ونظرًا لازدرائه الدراية المؤسساتيّة، فإنّه يتجاهل مرارًا مشورة أعضاء المجلس الاستشاري والهيئات الإداريّة، هذا إذا لم يقصِهِم عن الدائرة نهائيًا.

ومما يثير السخريّة، أنّ هذا الاختلال الوظيفي الذي تغذّيه هذه العادات يميل إلى تأكيد سوء ظنّ مؤيّديه بواشنطن (أحد الأسباب الرئيسيّة التي جعلتهم يصوّتون لصالح ترامب في المقام الأوّل)، خالقًا شكلًا من أشكال النبوءة المتحقّقة بفعل الذات، التي أنجبت بدورها قدرًا إضافيًّا من الكلبيّة ونفورًا من المشاركة في العمليّة السياسيّة. يشعر عدد متزايد من المقترعين بوجود قطيعة صارخة بين رؤاهم وسياسات الحكومة. السياسات العملية الحكيمة مثل إجراءات فحص السجل الجنائيّ -الإلزاميّة- المتعلّقة بصفقات شراء السلاح، التي يؤيّدها ما يزيد عن تسعة من أصل عشرة من الأميركيين، أعاقها الكونغرس، الذي يعجّ بأعضاء يعوّلون على العطايا المًقدّمة من الـ أن آر آي. عبّر سبعة وثمانون بالمائة من الأميركيين، في اقتراع أجري عام 2018، عن إيمانهم بوجوب السماح للحالمين بالبقاء في الولايات المتّحدة، إلّا أنّ قانون دي أي سي أي بقي كرةً سياسيّةً. ويقول إنّ 83 بالمائة من الأميركيين (من بينهم 75 بالمائة جمهوريين)يؤيدون حيادية الإنترنت، القانون الذي أسقطته الـ«أف سي سي» (هيئة الاتصالات الفيدرالية) الخاضعة لسلطة ترامب.

دورُ الخطاب العقلاني، الآخذُ بالانحطاط -والدور المُستحقر للسياسة الحكيمة المبنية على الوقائع الفعليّة- بدأ بالكاد مع دونالد جَي. ترامب. إنّه يمثّل بالأحرى ذروة النزعات المُشخّصة في الكتب التنبؤيّة لآل غور وفرهاد مانجو وسوزان جَكوبي، المنشورة قبل عقد تقريبًا من إقامته في 1600 بنسيلفانيا أفينو. من بين الأسباب المؤدّية إلى هذا الانحطاط، أورد جَكوبي (في كتاب «عصر اللا معقول الأميركيّ») «الإدمان على الإعلام المعلوماترفيهي»، رسوخ الأصولية الدينية المستمرّ، «المعادلة الشعبيّة للمذهب العقليّ مع نزعة ليبرالية من المفترض أنّها تتعارض مع القيم الأميركيّة التقليديّة»، ونظام تعليميّ يؤدّي عملًا هزيلًا، لا في تدريس المهارات الأساسية وحسب، بل وفي تدريس المنطق الذي يُشكّل أساس هذه المهارات».

بالنسبة إلى غور (في كتاب «التهجم على العقل»)، فقد شدّد على اعتلال أميركا بوصفه ديمقراطيّة تشاركيّة (سبة مشاركة متدنيّة في الانتخابات، وجمهور ناخبين فقير الاطّلاع، وحملات يطغى عليها المال، وتلاعب إعلاميّ) وعلى «الاتّكال المستمرّ والثابت على الأراجيف بوصفه أساس النهج السياسي، ولو كان هذا في مواجهة دليل مخالف، متماسك ومقبول تمامًا».

جاء على رأس تأمّلات غور قرار إدارة بوش الكارثي بغزو العراق، وتسويقها الكلبيّ تلك الحرب إلى عامّة الناس، ماسخةً «الحقيقة السياسيّة في أميركا عبر اختلاقها خوفًا جديدًا من العراق لا يتناسب إلى حدّ كبير مع الخطر الفعليّ» الذي كان يشكّله بلد لم يشنّ هجومًا على الولايات المتّحدة يوم 11/9، ويفتقر إلى أسلحة الدمار الشامل المرعبة التي روّع بها صقور الإدارة الأميركيّين إلى حدّ جعلهم يظنّونه يمتلكها.

بحق، تبقى حرب العراق درسًا في المصائب التي قد تحدث عندما لا تُتّخذ قرارات مصيريّة -تؤثّر على العالم بأسره- عن طريق عملية عقلانيّة في رسم السياسات وعبر الاستبصار الحصيف في المعلومة والتحليل الخبير، بل عوضًا تُغذّى باليقين الآيديولوجي وانتقاء المعلومات الاستخباراتيّة المبتغاة لتدعيم أفكار مُتسلّطة مسبقة.

منذ البداية، ألحّ صقور الإدارة -بقيادة نائب الرئيس دِك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد- في الحصول على معلومات استخباراتيّة «عدوانيّة» لها أنْ تعزّز حججًا ترجّح خيار الحرب. حتّى أنّ غرفة عمليات غامضة -تُدعى مكتب الخطط الخاصّة- شُكّلت في وزارة الدفاع؛ مهمّتها -حسبما ذكر سيمور أم.هيرش في ذي نيويوركر نقلًا عن مستشار في البنتاغون- إيجاد دليل على ما كان رامسفيلد وبول وولفوتز -نائب وزير الدفاع- يريانه حقيقةً أساسًا، وهو أنّ لصدام حسين صلات بتنظيم القاعدة، وأنّ العراق يمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة البيولوجية والكيمياويّة وربّما النوويّة.

في غضون ذلك، تجاهلت عملية التخطيط لشنّ الحرب على أرض الواقع تحذيرات رصينة صدرت عن خبراء -مثل رئيس أركان الجيش إِرِك كي. شنسَكي- الذي شهد بأنّ عراق ما بعد الحرب يتطلّب «ما يقارب عدّة مئات آلاف من الجنود». سرعان ما رُفضت توصيته، كما رُفضت تقارير مرفوعة من مؤسسة راند وكلية الحرب العسكريّة، اللّذين نبّها كلاهما أيضًا إلى أنّ مسألة الأمن وإعادة الإعمار في عراق ما بعد الحرب تقتضي عددًا جرّارًا من القوات لفترة طويلة من الزمن. ذهبت هذه التقييمات أدراج الرياح -مع وقوع عواقب مهلكة- لأنّها لم تتماشَ مع وعود الإدارة -المتفائلة عن سابق تصوّر وتصميم- بأنّ الشعب العراقيّ سيستقبل الجنود الأميركيّين كمحررين وبأنّ تلك المقاومة القائمة على أرض الواقع ستنحصر. «مهمة سهلة»، كما عبّر عن ذلك حليف رامسفيلد عينه.

الإخفاق في إرسال قوّات كافيّة لتأمين البلاد وإعادة القانون والنظام؛ وتهميش مشروع مستقبل العراق الذي طرحته وزارة الخارجيّة (بسبب توتّرات مع البنتاغون)؛ والقرارات المُغرضة لحلّ الجيش العراقيّ وحظر كافة الأعضاء الكبار في حزب البعث: مثل هذه الأخطاء الفادحة، والكارثيّة والقابلة للتفادي، تسببتْ في احتلال أميركيّ أخرق، وصَفَهُ -على نحو لا ينسى- أحد الجنود المكلّفين بالعمل في سلطة الائتلاف المؤقتة، بأنّه «لصق ريش إلى بعضه بعضًا، أملًا في الحصول على بطّة». في الواقع، استطاعت حرب العراق أنْ تبرهن على أنّها أحد أكثر أحداث القرن الناشئ مأساويةً؛ حرب فجّرت جيوسياسة المنطقة وأنجبَت داعش وجرّت على شعب العراق والمنطقة والعالم عددًا لا ينتهي من النكبات.

رغم أنّ ترامب انتقد مرارًا قرار غزو العراق أثناء الحملة الانتخابيّة عام 2016، إلّا أنّ بيتَه الأبيض لم يتعلّم شيئًا من كيفية تعامل إدارة بوش مع تلك الحرب المأساوية وغير اللّازمة. بل عوضًا عن ذلك، ضاعفتْ من رسمها سياسات موضوعة وفق هندسة عكسيّة، ورفضها للخبراء المختصّين.

على سبيل المثال، قُلّصت وظائف وزارة الخارجيّة نتيجةً للعهد الذي قطعه ستيف بانن على نفسه بالكفاح من أجل «حلّ نظام الدولة الرقابيّة»، وارتياب البيت الأبيض بوجود موظفي «دولة متغلغلة». صهر الرئيس الأميركي -جَارد كوشنر- دلال العقارات البالغ من العمر ستة وثلاثين عامًا ولا يملك أيّ خبرة في المجال الحكوميّ، سُلِّم ملفّ الشرق الأوسط، بينما هُمّشت وزارة الخارجيّة الآخذة بالتقلّص تهميشًا مطردًا. بقيت العديد من المناصب المهمّة شاغرةً مع نهاية سنة ترامب الأولى في المكتب الرئاسيّ، ويعود السبب في ذلك جزئيًّا إلى تقليص عدد العاملين وإهمال الواجب؛ وجزئيًّا إلى حالة التمنّع عن تعيين الدبلوماسيين الذين عبّروا عن تحفّظاتهم إزاء سياسات الرئيس (كما في حالة الدور الحاسم للسفير في كوريا الجنوبيّة)؛ ومن صعيد آخر إلى هجرة المواهب في مجال الشؤون الخارجيّة من مؤسسة لم تعدْ -في ظلّ إدارة جديدة- تقدّر كفاءاتهم في العمل الدبلوماسيّ أو درايتهم السياسية أو خبرتهم بشأن مناطق مترامية الأطراف في العالم. إضافة إلى تخريب ترامب لتحالفات قديمة واتّفاقيات تجاريّة، وتقويضه المستمرّ للمثل الديمقراطيّة، فإنّ اللّا مبالاة التي عاملت بها إدارتُه السياسة الخارجيّة أفضت إلى انحدار حادّ في ثقة العالم بقيادة الولايات المتّحدة لتصل إلى نسبة 30 بالمائة (تحت الصين، وفوق روسيا مباشرةً)، حسب استفتاء أجرته منظمة غالوب.

من بعض النواحي، مثّل ازدراء بيت ترامب الأبيض بالاختصاص والخبرة انعكاسًا لمواقف أشمل تتخلّل المجتمع الأميركي. في كتابه الصادر عام 2007، «عبادة الهاوي»، نبّه مقاول سيليكون فالي، أندرو كين إلى أنّ الإنترنت لم يكتف فقط بدمقرطة المعلومات بدرجة تفوق أجمَح تصوّرات الناس، بل ظلّ يستبدل«حكمة العامّة» بالمعرفة الأصيلة، ويُشوّش –على نحو خطير– الخطوط الفاصلة بين الواقعة والرأيّ، بين المناظرة المستنيرة والتخمين المتبجّح.

بعد عقد من الزمان، كتب البروفسور توم نيكولس، في كتاب موت الاختصاص، يقول بأنّ العداء المتعمّد تجاه المعرفة الراسخة قد برز في اليسار واليمين على حدّ سواء، مع وجود أشخاص يؤكّدون بضراوة أنّ «كلّ رأيّ في أيّ موضوع كان، سليم مثل أيّ رأيّ آخر»، فأصبح الجهل شائعًا حينها.

يقول نيكلوس: «إنْ لم يكلّف المواطنون أنفسهم عناء اكتساب تعليم أساسيّ فيما يخصّ القضايا التي تؤثّر على حياتهم فسيعجزون عن السيطرة على تلك القضايا، شاؤوا أم أبوا». ويضيف: «وعندما يفقد المقترعون زمام السيطرة على هذه القرارات المهمّة، فإنّهم يعرّضون ديمقراطيتهم لخطر الاختطاف على يد الديماغوجيين الجُهلاء، أو مؤسّساتهم الديمقراطيّة لخطر ذلك الشكل الأكثر صمتًا وتدرّجًا من أشكال الانحلال إلى تكنوقراطيّة فاشيّة».

إنّ تفضيل بيت ترامب الأبيض الولاء والانصياع الآيديولوجي الأعمى على المعرفة أمر بادٍ للعيان في كافّة أرجاء الإدارة؛ قُضاة ورؤساء مؤسّسات غير أكفّاء عُيّنوا بدافع محسوبيّات، أو ارتباطات سياسيّة، أو بدافع نوع من العزم على توهين المؤسّسات التي كانت تقف عقبة في طريق مشاريع ترامب العملاقة في إلغاء القيود والضوابط لصالح صناعات الوقود الأحفوري والشركات المانحة الثريّة. رِك بَري -الذي اشتهر برغبته في إلغاء وزارة الطاقة- عُيّن وزيرًا عليها، مشرفًا بذلك على إجراءات خفض الميزانيّة المخصصة لبرامج الطاقة المتجدّدة؛ والمدير الجديد للـ«إي بي أي» (وكالة حماية البيئة)، سكوت برويت -الذي كان قد قاضى مرارًا تكرارًا وكالة حماية البيئة على مرّ السنين- بدأ يفكّك على وجه السرعة القوانين المشرّعة من أجل حماية البيئة، ويتوانى في تنفيذها.

عامّة الناس -الذين عارضوا مسودّة قانون الضرائب التي تقدّم بها الحزب الجمهوريّ، وكانوا قلقين حيال سلبهم الرعاية الصحيّة- تمّ تجاهلهم بصورة متعسّفة عندما لم تتطابق آراؤهم مع غايات إدارة ترامب أو مع غايات الجمهوريين الأعضاء في الكونغرس. وعندما أثار خبراء مختصّون في حقل معيّن -التغيّر المناخيّ مثلًا أو السياسة الماليّة أو الأمن الوطنيّ- تساؤلات مقلقة، تعرّضوا للتهميش أو لما هو أسوأ. هذا ما حدث -على سبيل المثال- لدائرة الموازنة في الكونغرس (المُشَكَّلة قبل عقود كدائرة مستقلّة لا حزبيّة، تزوّد بالكلف التخمينية للتشريع)، عندما قدّمت تقريرًا تقول فيه بأنّ مسودة قانون الضرائب التي قدمها الحزب الجمهوريّ ستخلّف ملايين أخرى من الناس بلا تأمين. بدأ الجمهوريون يهاجمون هذه الهيئة، لا تقريرها فقط، بل ووجودها أيضًا. تساءل مدير مكتب الإدارة والموازنة -العامل لصالح ترامب- عمّا إذا كان زمن دائرة الموازنة في الكونغرس قد «حلّ وانقضى»، واقترح جمهوريون آخرون تخفيض ميزانية هذه الدائرة وتقليص كادرها البالغ 235 بفارق 89 موظّفا.

بالإضافة إلى ما تقدّم، تحايلت إدارة ترامب على الآلية القياسيّة المتّبعة في رسم السياسة -والعملية القياسيّة في التحليل والمراجعة- تحايلًا روتينيًّا، فانتهكت هذه المعايير بتسرّع معهود. العديد من الخطوات المتّخذة كانت تمثّل بمجموعها محصّلة لا عقلانيّة ناتجة عن ضرب من ضروب الهندسة العكسيّة: اختيار نتيجة يبتغيها البيت الأبيض أو جمهوريّو الكونغرس أولًا، ثمّ السعي بعدها إلى إيجاد مبرّرات منطقيّة أو مزايا تسويقيّة. كانت تلك طريقة مناقضة جدًّا للمنهج العلميّ، الذي بموجبه تجمع البيانات وتُقيّم بهدف صياغة الفرضيات وتمحيصها، المنهج الذي كنّت له الإدارة ازدراءً واضحًا، أخذًا بنظر الاعتبار أوامرها إلى مُحلّلي الـ«سي دي سي» (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها) بتحاشي استخدام مصطلحيّ «قائم على العلم» و«مبنيّ على الأدلّة». وقد كان هذا تذكيرًا بغياب كلمة «علم» في دستوبيا أورويل في رواية «1984»، لأنّ «المنهج التجريبيّ في الفكر، الذي أؤسِّست عليه كافّة الإنجازات العلميّة في الماضي»، يمثّل حقيقةً موضوعيةَ تُهدّد سلطة الأخ الأكبر بالكشف عن ماهية الحقيقة.

بالإضافة إلى إعلان انسحابها من اتفاقية باريس بشأن المناخ (بعد أنْ وقّعت عليها سوريا، ظلّت الولايات المتّحدة البلد الوحيد الذي يرفض الاعتراف بهذه الاتفاقيّة العالميّة)، أخذت إدارة ترامب على نفسها عهدًا بإنهاء مشروع الطاقة النظيفة الذي وضعه الرئيس أوباما، وإلغاء الحظر المفروض على النفط البحريّ وأعمال الحفر لاستخراج الغاز. أُقيل العلماء من المجالس الاستشاريّة الحكوميّة، ووضعَت خطط لقطع التمويل عن سلسلة كبيرة من البرامج البحثيّة في مجالات مثل الطبّ البيولوجي والعلوم البيئيّة والهندسة وتحليل البيانات. وكالة حماية البيئة وحدها كانت تواجه تخفيضات مقترحةً من جانب البيت الأبيض تصل إلى 2.25 بليون في ميزانيّتها السنويّة، تقليص تتجاوز نسبته 23 بالمائة.

في نيسان 2017، تطوّرت مسيرة لأجل العلم -التي نُظّمت في واشنطن احتجاجًا على سياسات إدارة ترامب المناهضة للعلم- لتصل إلى ما يزيد عن أربعمائة مسيرة في أكثر من خمس وثلاثين دولة، خرج فيها المتظاهرون تضامنًا مع زملائهم في الولايات المتّحدة، واكتراثًا أيضًا بحال العلم والعقل في بلدانهم. فما تتّخذه الولايات المتّحدة من قرارات بخصوص التغيّر المناخي والمشاكل العالميّة الأخرى -في نهاية المطاف- له تأثير الدومينو حول العالم، بتأثيرها على المشاريع المشتركة والبحوث التعاونيّة، وكذلك على الجهود المبذولة لإيجاد حلول دوليّة لأزمات تُلمّ بالكوكب.

ينتاب علماء بريطانيين قلق إزاء الكيفيّة التي سيؤثّر بها مشروع بركزت على الجامعات ومؤسّسات البحث في المملكة المُتّحدة، وعلى تمكّن الطلاب الإنجليز من الدراسة في أوروبا. علماء في بلدان تمتدّ من أستراليا فألمانيا إلى المكسيك قلقون بشأن تفشّي المواقف التي تحطّ من قيمة العلم والدليل والتقييم المُتخصّص، فيما يعرب دكاترة من أميركا اللّاتينيّة وأفريقيا عن قلقهم من استمرار الأخبار الزائفّة حول فايروسيّ زيكا وإيبولا في إشاعة التضليل والخوف.

مايك مكفيرن -طالب دراسات عليا في مجال الغليسيولوجيا (علم الجليد) يعمل في كانغرلوسواك، بلدة من خمسمائة نسمة في غرينلاند- أخبر مجلة ساينس بأنّ المقيمين هناك لديهم أسباب عمليّة تجعلهم قلقين بشأن التغيّر المناخي، لأنّ سيلًا مائيًّا من صفيحة جليديّة كان قد اجترف جزئيًّا جسرًا محليًّا. وصرّح قائلًا:«إنّي أشبّه حملات الهجوم على العلم بإطفاء المصابيح الأمامية في السيارة»؛ «نحن نقود بسرعة، ولا يريد الناس رؤية ما هو قادم أمامهم، إنّما العلماء -نحنُ- هم المصابيح».

«كنّا شغوفين بأنّ نكون أوّل من يكتشف من الأشياء آخرها وأحدثها وأشذّها وغريبها» ستيفان زفايغ

إنّ واحدة من أكثر القصص ترويعًا التي تصف مدى السرعة التي قد تخلي بها «سلطة الـraison (العقل)» -الإيمان بالعلم والنزعة الإنسانيّة والتقدّم والحريّة- مكانها لـ«نيقضتها تمامًا، رعب وعاطفة جمعيّة»، فُصّلت على يد الكاتب النمساويّ ستيفان زفايغ في مذكّراته الصادرة عام 1942: «عالم الأمس». شهد زفايغ نكبتين هزّتا العالم أثناء حياته -الحرب العالميّة الأولى، متبوعةً بمتنفّس وجيز، ثمّ الصعود الجائح لهتلر والسقوط الكارثيّ في الحرب العالميّة الثانية. إنّ مذكّراته لشاهد على الطريقة التي مزّقت بها أوروبا نفسها تمزيقًا انتحاريًّا مرّتين خلال عقود قلّة، إنّها قصّة «هزيمة العقل» المروّعة و«أجمح انتصار للوحشيّة»، وعبرةً ارتجاها أن تكون لأجيال المستقبل.

كتب زفايغ عن الترعرع في ظلّ مكان وزمان فيهما جعلت معجزاتُ العلم -القضاء على الأمراض، و«إرسال الكلمة البشريّة حول الكرة الأرضية في ثانية واحدة»- التقدّمَ يبدو حتميًا، بل وحتّى المشاكل الرهيبة مثل الفقر «لم تعد تبدو منيعةً على التذليل». تفاؤل (قد يُذكِّر بعض القرّاء بالآمال التي اجتاحت العالم الغربيّ بعد سقوط جدار برلين عام 1989) أشرب جيلَ أبيه، يستذكر زفايغ: «لقد آمنوا حقّ الإيمان بأنّ الاختلافات والحدود القائمة بين الأمم والطوائف ستنصهر تدريجيًا في حسّ إنسانيّ مشترك، وبأنّ الأمن والسلام -أسمى الكنوز قيمة- سيعمّان البشريّة جمعاء».

 إبّان شبابه، كان زفايغ وأصدقاؤه يقضون ساعات في المقاهي، يتحدّثون عن الفن والهموم الشخصيّة: «كنّا شغوفين بأنّ نكون أوّل من يكتشف من الأشياء آخرها وأحدثها وأشذّها وغريبها». كان ثمّة إحساس بالأمان إبّان تلك السنوات بالنسبة للطبقتين العليا والوسطى: «كان منزل المرء مؤمّنًا عليه من الحريق والسرقة، حقل المرء مُؤمّنًا عليه من البَرَد والعواصف، حياته مؤمّنًا عليها من الحوادث والمرض».

أدرك الناس الخطر الذي يمثّله هتلر متأخّرين. يكتب زفايغ قائلًا: «إنّ القلّة القليلة من الكتّاب التي كلّفت نفسها عناء قراءة كتاب هتلر سخرت من الكلام المنمّق في لغته النثريّة المتكلّفة بدلًا من الانشغال ببرنامجه». طمأنتِ الصحفُ القرّاءَ بأنّ الحركة النازيّة «ستنهار في طرفة عين»، وافترض عديدون أنْ في حالة أصبح «مثير القلاقل المعادي للساميّة» رئيسًا بالفعل، فإنّه «سيتخلّص بطبيعة الحال من هذه السفاهات».

ظلّت نذر الشؤم تتراكم. مجاميع من شبّان متوعّدين، قرب الحدود الألمانيّة «بشّروا بإنجيلهم مُصحبينَ تهديدات تنذر بأنّ كلّ من لا ينتمي في الحال، سيدفع ثمن ذلك لاحقًا». وكانت «الصدوع والشقوق المتوارية بين الطبقات والأعراق، التي كان عهد المصالحة قد رأبها بجهد جهيد»، تتفلّع من جديد، وسرعان ما «اتسعت لتصبح هُوىً وأغوارًا سحيقة».

إلّا أنّ النازيين حرصوا على عدم الكشف عن نطاق أهدافهم كاملًا وعلى الفور. «لقد طبّقوا منهجَهم بحذر: البدء بجرعة صغيرة فقط، ثمّ تعقبها مهلة وجيزة.حبّة واحدة لا أكثر في كلّ مرّة، ثمّ لحظة انتظار لرصد قوّة مفعولها»، لملاحظة ما إذا كان «الضمير العالمي (والشعبيّ) ما زال قادرًا على هضم هذه الجرعة».

ولأنّ الناس لم يكونوا راغبين في هجر حيواتهم المعتادة وروتينهم اليوميّ وعاداتهم -كما يقول زفايغ- فإنّهم لم يريدوا تصديق السرعة التي كانت تُسلب بها حريّاتهم. تساءل الناس عمّا يمكن لقائد ألمانيا الجديد «فرضه بالقوّة في دولة فيها القانون مُرسّخ بإحكام، وفيها الأغلبيّة البرلمانيّة معارِضة له، وكلّ مواطن فيها يرى أنّ حرّيته وحقوقه المتساوية مكفولة بالدستور المُقَرّ رسميًّا»، كانوا يقولون لأنفسهم أنّ ثوران الجنون هذا «لا يمكن أنْ يستمرّ في القرن العشرين».

اترك تعليقاً

Shopping Cart
Scroll to Top